صحافة المواطن جعلت ندا رمزاً.. فهل يقمعها «التفتيش المعمّق للرزمة»؟

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
إعاقة الانترنت في إيران تتم بواسطة أجهزة شركات أوروبية
اسم وصور ندا سلطاني ظهر في تظاهرات في الولايات المتحدة
اسمها ندا آغا سلطاني. كانت تشارك في تظاهرة مُعترضة على نتيجة الانتخابات الايرانية برفقة أبيها، قبل ان تأتيها رصاصة في صدرها وترديها قتيلة. كان اسم ندا ليظل، كما غيره، بعيداً من التداول لولا وجود كاميرا هاتف محمول، ركض صاحبها باتجاه صبية ممددة أرضاً وصوّرها وهي تفارق الحياة، في مشهد موجع انتهى بالدماء تغطي وجه الصبية الإيرانية بعد نزيف من فمها وأنفها. العنف قاتم في فيديو قصير شق طريقه إلى مستخدمي «يو تيوب» و«فايسبوك»، فتحولت ندا وصورها قبل وبعد إطلاق النار عليها رمزاً وشعاراً للمعارضين الايرانيين في كل بلدان العالم. 
في إيران، يجهد كثيرون اليوم لاستخدام الانترنت كالبوابة الأخيرة التي يمكن اختراقها لايصال صورتهم إلى العالم. لكن الجديد كان ما كشفت عنه صحيفتا «وول ستريت جورنال» و«ذي غارديان»، لجهة استخدام الحكومة الايرانية في فترة ما بعد الانتخابات نظام «التفتيش المعمّق للرزمة الرقمية» الذي يسمح بمراقبة المحتوى الشخصي للمعلومات التي يتبادلها الإيرانيون على الانترنت. لكن المفارقة هنا ان الشركة التي باعت إيران أجهزة اعتراض دفق المعلومات هي شركة «نوكيا سيمنز نتووركس»، وهي عبارة عن شركة تضامن بين شركة نوكيا الفنلندية للهواتف المحمولة وشركة سيمنز الألمانية. أي انه عملياً، الغرب الذي يندد بالتضييق على الاعلام والانترنت في إيران، هو الذي زود شركة الاتصالات الايرانية التابعة للحكومة بعتاد الرقابة والتحكم. 
علماً ان «التفتيش» هذا، الذي يتفوق على ما تقوم به الصين مثلا في هذا الاطار، يقوم على أجهزة تعترض تدفق المعلومات على الانترنت، من محتوى البريد الالكتروني والاتصالات الهاتفية عبر الانترنت الخاصة بالفرد، وصولاً إلى الصور والرسائل على مواقع اجتماعية مثل «فايسبوك» و«تويتر». يصار إلى تفكيك كل رزمة رقمية من المعلومات المتداولة على الشبكة، وفحص ان كانت تحتوي على «كلمة مفتاح» يحددها من يراقب، ثم يعاد تركيبها في أجزاء من الألف من الثانية. وهنا لا يصار إلى حجب الاتصالات بل مراقبتها لجمع معلومات عن الافراد، وأحياناًَ تحريفها بهدف التضليل. 
ما كشفه خبراء الانترنت في هذا الاطار، فتح العيون على فكرة ان نظام التفتيش هذا يستخدم تحت مفهوم معروف دولياً وهو «التصدي القانوني» الذي يرتبط باعتراض معلومات هدفها محاربة الارهاب، أشرطة إباحية تستغل الاطفال، تجارة المخدرات وغيرها من الاعمال الاجرامية. والمفارقة الثانية هنا ان استخدام هذا المفهوم لأغراض سياسية غير غريب عن دول غربيــة مثل الولايات المتحدة (خصوصاً في عهد الرئــيس السابق جورج بوش) وبريطانيا وغيرها، ولو بإطار شديد المحدودية. 
وبرغم حجب بعض المواقع في إيران وبطء قدرة الانترنت على تحميل المعلومات مؤخراً (وهو ما يعتبر الخبراء انه نتيجة لاستعمال نظام التفتيش نفسه)، لا يزال الخرق ممكناً، ولا تزال الشبكة العنكبوتية منفذاً شبه وحيد مقابل الطريق المغلقة أمام وسائل الاعلام الرئيسية. 
منذ بداية الأزمة الايرانية وأشرطة تعنى بتفاصيل التظاهرات تحمّل على «يو تيوب»، لا سيما مقاطع الفيديو التي تظهر تعاطي الشرطة مع المتظاهرين. ومنذ البداية أيضا، صعد نجم موقع «تويتر» بسرعة صاروخية وكان مرجعاً لتتبع الاحداث برغم هامش الخطأ الكبير فيه. تحوّل الايرانيون في ظل التضييق على وسائل الاعلام العالمية ومراسليها، إلى مشروع مراسلين وجدوا ضالتهم في العديد من المواقع والصفحات. ما ذكّر بالدور الذي لعبه الهاتف الخلوي في تفجيرات لندن، وأعاد إلى الذاكرة أيضاً تفجيرات بومباي حين وقع عشرات القتلى وبقي الكثير من الرهائن داخل الفنادق وساهموا بأنفسهم بنقل المشهد من زاويتهم. 
فما يحدث اليوم، بحسب موقع «تويتر» نفسه مثلاً، هو «خيالي» لجهة نسبة استخدام الموقع هذا تحديداً، وهو لا يقاس بما كان يحدث في الأحداث السابقة. علماً ان موقع «تويتر» قد يتم تحويله بفضل الفورة هذه إلى مشروع تجاري يدر أرباحاً بعكس ما هي حاله اليوم. 
عملياً، التجربة الايرانية تظهر أكثر فأكثر تأثير الانترنت على فهمنا ورؤيتنا للعالم وتعزز نظرية تهديد الشبكة العنكبوتية بشكل فعلي لعمل التلفزيون ووسائل الإعلام ان تابعت الأخيرة التغطية بصورة تقليدية، وان لم تجد طرقها للتغلب على التضييق، خصوصاً عند النظر لما يعانيه الصحافيون المعتمدون من وسائل الاعلام الرئيسية، كمنعهم من الخروج من مكاتبهم للتغطية وإقفال بعض المكاتب وصولاً إلى اعتقال صحافيين (وكان آخرهم أمس مراسل صحيفة «واشنطن تايمز»). لكن نشوة «تويتر» و«يو تيوب» وغيرهما بالنجاح المنقطع النظير وقدرتهما على إحراج النظام الايراني، لا يعني ان الكرة باتت في ملعب المواطن ـ المراسل تماماً، فحتى اللحظة لا يمكن الركون إلى معلومات على الشبكة تحتمل الخطأ وبحاجة دوماً إلى تأكيدها من مصدر مستقل، وهو ما لم تقم به بالمناسبة العديد من وسائل الاعلام التي تبنت المعلومات عن «تويتر» مثلاً كأخبار عاجلة كما لو انه وكالة أنباء موثوقة، فبدا استسلاما طوعيا لجاذبية الانترنت وأخباره ولو على حساب قيمة أساسية هي دقة الخبر وموافاته للشروط المهنية. 
مايسة عواد
السفير
No votes yet